المقريزي

333

المقفى الكبير

وعطش الحسين فاستسقى ، وليس معهم ماء . فجاء رجل بماء فتناوله ليشرب . فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فيه فجعل يلقي الدم بيده . وحمد اللّه وتوجّه نحو المسنّاة يريد الفرات . فقال رجل من بني أبان بن دارم : حولوا بينه وبين الماء ! . فعرضوا له فحالوا بينه وبين الماء وهو أمامهم . فقال الحسين : اللهمّ ، أظمئه ! . ورماه الأبانيّ بسهم فأثبته في حنكه ، فنزع السهم وتلقّى الدم وملأ كفّه وقال : اللهمّ ، إنّي أشكو إليك ما فعل هؤلاء . فما لبث الأبانيّ إلّا قليلا حتّى رؤي وإنّه ليؤتى بالقلّة والعسّ إن كان ليروي عدّة فيشربه فإذا نزعه من فيه قال : اسقوني فقد قتلني العطش ! - فما زال بذلك حتّى مات . وجاء شمر بن ذي الجوشن فحال بين الحسين وبين ثقله . فقال الحسين : رحلي لكم عن ساعة مباح ، فامنعوه من جهّالكم وطغامكم ، وكونوا في دنياكم أحرارا إذ لم يكن لكم دين . فقال شمر : ذلك لك يا ابن فاطمة . فلمّا قتل أصحاب الحسين وأهله بقي عامّة النهار ، ولا يقدم عليه أحد إلّا انصرف ، حتى أحاطت [ 401 ب ] به الرجّالة ، فما رؤي مكثورا « 1 » أربط جأشا منه . فصاح بهم شمر : ثكلتكم أمّهاتكم ، ما ذا تنتظرون به ؟ أقدموا عليه ! - فكان أوّل من انتهى إليه زرعة بن شريك التميميّ ، فضرب كفّه اليسرى ، وضربه الحسين على عاتقه فصرعه . وبرز له سنان بن أنس بن عمرو بن حيّ بن الحارث بن غالب بن مالك بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع النخعيّ فطعنه في ترقوته ، ثمّ انتزع الرمح فطعنه في صدره ، فخرّ صريعا . ونزل إليه ليحزّ رأسه فنزل معه خولي بن يزيد الأصبحيّ فاحتزّ رأسه . وأتى به عبيد اللّه بن زياد وقال [ الرجز ] « 2 » : أوقر ركابي فضّة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجّبا قتلت خير الناس أمّا وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا فلم يعطه ابن زياد شيئا . وروى حمّاد بن سلمة : ثنا عمّار بن أبي عمّار أنّ ابن عبّاس رضي اللّه عنه قال : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فيما يرى النائم ذات يوم نصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم ، فقلت : يا نبيّ اللّه ، بأبي أنت وأمّي ، ما هذه ؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم . فأحصي ذلك الوقت ، فوجد قد قتل الحسين ذلك اليوم . ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون جراحة ، ووجد في ثوبه مائة وبضعة عشر خرقا من السهام وأثر الضرب . [ مقتل الحسين ] وقتل رحمة اللّه عليه يوم الجمعة يوم عاشوراء من المحرّم سنة إحدى وستّين من الهجرة ، وهو ابن ستّ وخمسين سنة وخمسة أشهر . وكان عليه يوم قتل جبّة خزّ دكناء ، وهو صابغ بالسواد . وذكر الواقديّ أنّه قتل في صفر وهو ابن خمس وخمسين سنة ، والأوّل أثبت . وقال جعفر بن محمد الصادق : قتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة .

--> ( 1 ) المكثور هو المغلوب . ( 2 ) في مقاتل الطالبيين 83 نسب البيتان مع تغيير طفيف إلى قاتل الحسين .